عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

63

اللباب في علوم الكتاب

وأيضا فإن النوم في ذلك الوقت أطيب ، فيكون تركه أشقّ ، فوجب أن يكون ثوابه أكثر ، لقوله عليه السلام : « أفضل العبادات أحمزها » أي : أشقّها . واحتج أبو حنيفة بوجوه : أحدها : قوله عليه السلام : « أسفروا بالفجر فإنّه أعظم للأجر » « 1 » . وروى عبد اللّه بن مسعود أنه صلى الفجر ب « المزدلفة » فغلس ، ثم قال ابن مسعود : ما رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صلى صلاة إلا لميقاتها إلا صلاة الفجر . ويروى عن أبي بكر - رضي اللّه عنه - أنه صلى الفجر ، فقرأ « آل عمران » ، فقالوا : كادت الشمس أن تطلع ، فقال : لو طلعت لم تجدنا غافلين . وعن عمر أنه قرأ البقرة فاستشرقوا الشمس ، فقال : لو طلعت لم تجدنا غافلين . وأيضا فإن تأخير الصلاة يشتمل على فضيلة الانتظار . وقال عليه السلام : « المنتظر للصّلاة كمن هو في الصّلاة » ، فمن [ أخر الصلاة عن أول وقتها فقد انتظر الصلاة أولا ، ثم بها ثانيا ] « 2 » ، ومن صلّاها في أول الوقت فقد فاته فضل الانتظار . وأيضا : فإن التنوير يفضي إلى كثرة الجماعة فيكون أولى . والجواب عن الأول أن الفجر اسم للنور الذي [ يتفجر به ظلام ] « 3 » المشرق ، فالفجر إنما يكون فجرا لو كانت الظلمة باقية في الهواء . فأما إذا زالت الظلمة بالكلية واستنار الهواء لم يكن ذلك فجرا . وأما الإسفار فهو عبارة عن الظهور ، يقال : أسفرت المرأة عن وجهها إذا [ كشفت عنه ] « 4 » ، إذا ثبت هذا فنقول : ظهور الفجر إنما يكون عند بقاء الظلام في الهواء ، فإن الظلام كلما كان أشد كان النور الذي يظهر فيما بين ذلك الظلام أشد . فقوله : « أسفروا بالفجر » يجب أن يكون محمولا على التّغليس ، أي : كلما وقعت صلاتكم حين كان الفجر [ أظهر كان ] « 5 » أكثر ثوابا . وقد بينا أن ذلك لا يكون إلا في أول الفجر ، وهذا معنى قول الشافعي رضي اللّه

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي ( 154 ) والنسائي ( 2 / 272 ) وأحمد ( 4 / 142 ، 143 ) و ( 5 / 249 ) والبيهقي ( 1 / 457 ) والطبراني ( 4 / 295 ) وابن حبان ( 264 - زوائده ) والطيالسي رقم ( 301 ) والدارمي ( 1 / 277 ) والبغوي في « شرح السنة » ( 2 / 196 ) وأبو نعيم ( 7 / 94 ) وقال الترمذي : حديث رافع حسن صحيح . ( 2 ) في أ : أخرها منتظرا لها ، فقد حصل له فضيلة الانتظار ، وفضيلة الصلاة . ( 3 ) في ب : ينفى به الظلام . ( 4 ) في أ : أظهرت . ( 5 ) سقط في ب .